بقلم: د. رياض مشعل - الأمين العام لرابطة أطباء الجلد العرب - فلسطين
من يتجول في شوارع مدينتي رام الله والبيرة أو غيرهما من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية ويزور المراكز التجارية والمطاعم والمقاهي سيصاب بصدمة وحزن وحيرة مما يشاهد من ازدحام وكسر لكل قواعد التباعد الاجتماعي والسلامة الصحية، بالرغم من كل ما كنا نقوله من أن نمط الحياة التي نعيشها سيتغير ما بعد الكورونا. وهذا بالتأكيد شيء مؤلم وخطير في نفس الوقت أذ أنه يعني أننا نسير في الاتجاه الخاطئ في مواجهة كورونا المستجد – كوفيد 19، الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى موجة جديدة لانتشار الفيروس. ولا يوجد في الحقيقة لدي أجوبة واضحة ووافية عن السبب في الاستخفاف الشعبي بهذه الجائحة الكونية إلى درجة إنكار وجود الكورونا عند البعض، وبأن ما يجري في العالم مجرد أكذوبة أو مسرحية ومؤامرة دولية، وأصبح للأسف موضوع الكورونا عند الكثيرين مادة للتهكم والمزاح، ولهذا نرى الأهالي في الشوارع وفي كل مكان حتى في المستشفيات والعيادات والمراكز الصحية لا يتقيدون بأدنى قواعد التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات والقفازات والتعقيم. ولا تتعدى نسبة الملتزمين في كل الوطن 1% من مجموع السكان. واعتقد أن الانتقال الحاد والسريع من الإغلاق التام والإجراءات الصارمة إلى الانفتاح الكلي كان سبباً إضافياً بدون قصد في تكريس هذه التساؤلات والسلوكيات، الأمر الذي يحمل في طياته مخاطر كثيرة وكبيرة في عودة الإصابات بشكل أكبر، وقد تضيع كل الإنجازات التي تحققت، مع العلم أن شعبنا دفع ثمناً باهظاً على مدار الأشهر الثلاثة الماضية في مواجهة الفيروس وجسد نموذجاً فلسطينياً نفتخر به في الوحدة والتكاتف والوعي والالتزام بتعليمات الحكومة والجهود الجبارة التي بذلتها الكوادر الصحية والأمنية والإعلامية وغيرها، حفاظاً على صحة المواطنين. وأود التنبيه هنا إلى أن أهم الصفات العدوانية لهذا الفيروس الشرس والخطير هو سرعة انتشاره خلافاً للفيروسات الأخرى من نفس النوع. ويجب ألا يغيب عن بال أي مواطن وألا ننسى أبداً أن هذه الجائحة العالمية التي أصابت الملايين قد بدأت بإصابة مريض واحد فقط وانتقل الفيروس منه إلى أن وصل كل القارات والبلدان في أقل من أربعة أشهر. لقد بدأت بعض دول العالم وتجنباً للإغلاق العام باتخاذ سياسات جديدة في مواجهتها للفيروس تعتمد على المواءمة بين الحفاظ على صحة الناس والحد من انتشار الفيروس وعودة عجلة الاقتصاد والحياة ولو بشكل جزئي أو تدريجي. ولا تستطيع أية دولة أن تتحمل تبعات الإغلاق التام لأسابيع، ولا يمكن أصلاً توفير الإمكانيات الصحية والعلمية والبحثية للتصدي لهذا الفيروس بدون اقتصادات داعمة. وهذا هو جوهر النقاش العالمي الذي يجري الآن وتشارك فيه منظمة الصحة العالمية ومراكز الأبحاث والحكومات والأطباء والسكان العاديين، بهدف تكثيف الجهود والتعاون الدولي لمواجهة الجائحة وإيجاد استراتيجيات جديدة تتسم بالمسؤولية والإبداع للتعامل مع واقع انتشار الفيروس، وعدم وجود علاج فعال أو لقاح آمن له في الوقت الحاضر وحتى المستقبل القريب بحيث يتم التوازن في الحفاظ على الصحة والاقتصاد معاً. لقد قامت منظمة الصحة العالمية مؤخراً بإصدار مجموعة من المبادئ التوجيهية للدول والحكومات للرفع الجزئي للإغلاق مع تأكيدها بأن القرارات في هذا المجال معقدة وصعبة ويجب تجنب الفزع أو الإنكار عند اتخاذها. أولاً: هل الجائحة تحت السيطرة؟ ثانياً: هل نظام الرعاية الصحية قادر على التعامل مع عودة الحالات في موجة جديدة للمرض بعد التراخي في إجراءات الوقاية؟ ثالثاً: هل نظام الصحة العامة قادر على إجراء فحوصات كافية واكتشاف الحالات ومتابعتها وتتبع المخالطين من خلال منظومة التقصي الوبائي. رابعاً: هل الجمهور قادر على تغيير نمط الحياة وملتزم بإجراءات الوقاية من الفيروس – تباعد اجتماعي، كمامات، تعقيم، قفازات ...الخ. كما أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن الأوبئة غالباً ما تأتي على شكل موجات، ولا أحد يستطيع أن يحدد موعد الذروة الثانية، وكل ما يجري هو توقعات مستندة إلى تجارب الماضي. كما حذرت المنظمة من اتخاذ قرارات بالعودة السريعة للحياة الطبيعية، وسنغافورة نموذج للاستعجال في رفع القيود بعد الإجراءات الصارمة التي اتخذتها ... حيث عاد الفيروس بقوة وأصاب عشرات الآلاف وتسبب في انهيارات في النظام الصحي فيها. إضافة إلى أمثلة أخرى لنتائج التراخي والتجاهل وعدم الاهتمام كما جرى في البرازيل والهند واندونيسيا وايطاليا واسبانيا وغيرها. إن الوضع الوبائي في كل دولة هو ما يحدد مستوى عودة القطاعات المختلفة لأعمالها، وتتباين هذه الدول من حيث الخصوصية والظروف الوبائية؛ سياحة، سفر، عمالة أجنبية، اكتظاظ سكاني، جاهزية النظام الصحي، نمط الحياة... الخ ولا شك في أن استنتاج الحكومة الفلسطينية بأن الوضع الوبائي في فلسطين يسمح بفتح المزيد من القطاعات وعودة العمل فيها مع مراعاة إجراءات ومعايير السلامة العامة هو استنتاج صحيح في مضمونه وتوقيته. كما أنه لا شك في أن القرارات التي أعلن عنها رئيس الوزراء الفلسطيني بعد انتهاء عطلة عيد الفطر المبارك هي قرارات تستهدف في جوهرها الحفاظ على صحة المواطن وحماية الاقتصاد الوطني، وهذا يعني أن التعايش مع فيروس الكورونا لا يستوجب حتمية الإصابة به ولكنه يستهدف محاصرته والانتصار عليه. ولكن المشكلة الحقيقية والخطيرة التي نواجهها اليوم هي عدم التزام المواطن بإجراءات الوقاية والسلامة الصحية. وكذلك تقصير الأجهزة الرقابية والرسمية في القيام بواجباتها تجاه متابعة تنفيذ التعليمات الصادرة عن وزارة الصحة تحت عنوان التعايش مع الكورونا والتي صدرت متأخرة بالأمس، مع عدم معرفتنا بسبب هذا التأخير. ويترافق هذا كله مع غياب المشهد الفلسطيني الرائع في بدايات الأزمة من وحدة الشعب وتلاحمه مع أجهزة السلطة المختلفة لمواجهة الفيروس. إن توقيع العقوبات والغرامات أسوة بكل الدول بحق المخالفين للتعليمات الصحية هو أمر ضروري وهام إلى جانب استمرار حملات الدعاية والتثقيف الصحي المجتمعي على مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة. وعلى وزارة الصحة أن تعمل على زيادة عدد الفحوصات اليومية العشوائية التي تجريها في مختلف المناطق، والإعلان عن نتائج هذه الفحوصات بشفافية مطلقة. ونؤكد هنا أن قياس مستوى جهوزية أية دولة وتقدمها في محاربة الفيروس يستند إلى عدد الفحوصات التي تجريها يومياً، وكلما زادت عدد الفحوصات كلما زادت إمكانياتنا في محاصرة المرض والتغلب عليه ومعرفة الحالة الوبائية في بلدنا بدقة أكبر. وأشير هنا إلى أن حكومة الاحتلال قد حذرت أمس من موجه ثانية محتملة من فيروس كورونا خلال الشهر القادم الأمر الذي ينبغي أن نركز في المرحلة القادمة اهتمامنا ومتابعاتنا للإخوة العمال في الداخل العائدين إلى بيوتهم، والذين يتجاوز عددهم 100 ألف عامل. وهنا لا بد من التأكيد على ضرورة أن تبذل كل الجهات المختصة في القطاع العام والخاص والشعبي كل الجهود بثبات من أجل دعم وتوفير شروط الحياة والصمود لمختلف الشرائح المتضررة من الوباء والفقراء من شعبنا. إن معركة مواجهة فيروس كورونا المستجد وحماية أهلنا هي جزء من معركة الصمود والبقاء على أرضنا الطاهرة وتجسيد قيام دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس الشريف بقيادة سيادة الرئيس محمود عباس حفظه الله. إن نجاحنا في التجسيد العملي للكلمات الذهبية السبع " تباعد، كمامات، قفازات، فحوصات، تعقيم، دعم وتطوير" سيشكل طوق نجاة لشعبنا من هذا الفيروس الشرس، وسنكون بإذن الله جاهزين للانتصار في التصدي لفيروس الاحتلال البغيض ومخططاته لفرض صفقة القرن وسرقة وضم الأغوار والبحر الميت وجبال فلسطين.