بقلم: د. موفق الخطيب
جرت وتجري أحداث عبر التاريخ ذات آثار على الصحة العامة؛ فكم من كارثة طبيعية وقعت في بلدان العالم المختلفة، وكم من حرب كانت لها آثار كبيرة على مواطني الدول المتحاربة على مر العصور؟! لا مجال هنا للخوض في بعض تفاصيل الأحداث التاريخية، إلا أننا سنحاول تناول الجائحة الحالية التي تتصدر الأحداث العالمية، وآثارها السلبية على الصحة العقلية والنفسية للناس. لا شك أن جائحة بهذا الحجم قد استنزفت وأرهقت الاقتصاد العالمي، كما أزهقت في الوقت ذاته أرواح أكثر من أربعمائة ألف إنسان، فيما أصيب بفيروس كورونا أكثر من سبعة ملايين إنسان حول العالم، في الوقت الذي ألحقت فيه أضراراً جسيمة بكافة مناحي الحياة البشرية كالتعليم والصحة والسياحة والزراعة وغيرها من القطاعات الحيوية. لكننا، وفي ذات السياق، سنتناول ما أحدثته من ضربة صعبة القياس في عمق النفس البشرية في شتى أرجاء المعمورة، إذ أنها وخلال بضعة شهور، أحدثت تغيراً هائلاً في بناء الشخصية الإنسانية الفردية والجمعية، فحفّزت في الناس مصادر القلق والتوتر والخوف من الإصابة بالمرض والاكتئاب والهلوسة والوسواس وغيرها من مظاهر السلوك النفسي الخطر والذي يؤدي إلى خسائر نفسية لدى الكثيرين. فالإصابة بالمرض، والخضوع للعلاج، والابتعاد عن الحياة الطبيعية نتيجة ذلك أو بسبب العزل الاجتماعي، والحاجة إلى ممارسة سلوكيات اجتماعية أو شخصية إن جاز أن نسميها ملتزمة وقاسية، أو موت قريب، أو مشاهدة الحالات المرضية، أو عدم وضوح المستقبل والخوف من القادم، أو فقدان الوظيفة، أو المتابعة غير المقننة لما تعرضه وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وغير ذلك من العوامل، وما أكثرها تلك العوامل التي تتأثر بها الشخصية الإنسانية؛ التي تؤثر بمجملها على النفس البشرية مُحدثةً فيها تغيراً قد تمتد آثاره إلى مراحل طويلة من عمر الفرد استناداً إلى لقوة أثر كلٍ من هذه العوامل. ومن جهة أخرى، فقد بات الغموض يكتنف أنماط الحياة القادمة وطبيعتها الأنية وبعد زوال هذه الأزمة، كما يعتقد البعض. ومن المعروف أن من أصعب الأمور على الإنسان أن تسير حياته دونما خطة أو رؤية ذات معالم واضحة مهما بلغت مرونتها وإمكانية تغيرها، إلا أن ضبابية المشهد الحياتي الشخصي والعام تؤدي إلى رفع مستويات السلوك غير التكيفي لدى الفرد نتيجة عدم وضوح القادم أو عدم القدرة على التنبؤ به بدرجة معقولة من الدقة. وبطبيعة الحال، فإن هذا يختلف وفقاً لعديد المتغيرات لدى الأفراد كالعمر والجنس والاعتقاد الفكري أو الديني والحالة الاجتماعية والحالة التعليمية والاقتصادية وحتى النفسية التي سبقت حدوث الجائحة سواء كانت متينة أو هشة. ولكن ما هو غير طبيعي أن تتحول هذه الحال وما أدت إليه من تفاعلات نفسية إلى حالة مرضية تهيمن على الفرد مؤدية إلى إعاقته في أداء مهامه بمختلف أنواعها ووفقاً لما هو متوقع منه. وكما نعلم، فإن الناس ينقسمون وفقاً لردود أفعالهم إلى بضع فئات؛ إذ نلاحظ أن بعضهم يصابون بدرجات حادة من التوتر والقلق والاكتئاب ما يؤدي إلى تعطيل حياتهم اليومية بشكل تام أو شبه تام. في الوقت الذي نرى أن فئة من الناس المستهترين وغير المنضبطين الذين قد يضروا بأنفسهم وبغيرهم ممن هم في محيطهم. وبطبيعة الحال، فإن الكثيرين يستطيعون إيجاد حالة من التكيف والمواءمة مع الوضع المُعاش، فينجزون مهامهم الحياتية في مستوى مقبول من مظاهر القلق والتوتر وسواها من المظاهر غير التكيفية. لقد أدت هذه الجائحة إلى ظهور سلوكيات أو تعميق بعضها؛ كما هي الحال في إدمان الكحول والمخدرات في بعض المجتمعات، كما زاد تناول الأدوية المهدئة والمسكنة أو تلك التي يعتقد البعض أنها يمكن أن تحدث لديهم مناعة من الإصابة بالمرض. وظهرت كذلك حالات الإدمان الالكتروني بمختلف أشكاله وبخاصة إدمان الألعاب الالكترونية عند الأطفال جراء توقف العملية التعليمية في كثير من البلدان بالتزامن مع ندرة الأنشطة المتاحة لهم لممارستها في ظل عزلهم في منازلهم. وكما هو معلوم، فإن العزلة تتيح الفرصة للفرد للانغماس في الكثير من الخبرات السيئة التي مر بها ما يؤدي بلا شك إلى تعميق مشاعرهم السلبية؛ والتي توجههم بالتالي إلى اضطرابات النوم والكوابيس ونوبات الغضب وقلة التركيز والكثير من الأمراض النفس-جسمية كتسارع نبضات القلب والإحساس بالآلام المختلفة في بعض أعضاء الجسم. أما أولئك الذين يعملون في الخطوط الأمامية لمكافحة الوباء كالأطباء والممرضين والمعالجين بمختلف اختصاصاتهم ورجال الأمن وكبار الإداريين والمسؤولين وغيرهم من الفئات، فإن للجائحة دون أدنى شك آثاراً واضحة على سلوكهم النفسي، إذ أن بعضهم يقوى بسهولة على تجاوز ما يمر به من أزمات نفسية، في حين يحتاج بعضهم الآخر إلى فترات علاجية أكثر امتداداً وبخاصة فيما يسمى بالعلاج ما بعد الصدمة. قلّما تؤمن مجتمعاتنا العربية على وجه العموم باللجوء إلى الأخصائيين النفسيين على عكس ما هي عليه في بعض المجتمعات الغربية. كما أن على الدول أن تشعر مواطنيها بأنها لم ولن تتركهم وحدهم يواجهون الوباء والآثار النفسية المترتبة عليه. ومن أجل ذلك فإننا نورد فيما يلي بعض الإرشادات التي تسهم في مواجهة العديد من الخسائر النفسية التي قد يتعرض لها الناس: