بقلم: د. جوني خوري – فلسطين - استشاري أمراض القلب والشرايين
أسئلة واستفسارات عديدة تراود العلماء ومراكز الأبحاث العالمية. قد نحتاج لفترة طويلة؛ أشهر أو وربما سنوات للإجابة عنها. أحد هذه الأسئلة هو ما إذا كانت الأجسام المضادة التي ينتجها ويطورها الجسم بعد الإصابة بفيروس الكورونا توفر مستوى معيناً من المناعة والحصانة. وإذا كان الأمر كذلك، فإلى متى قد تحميه من إعادة الإصابة بالفيروس للمرة الثانية؟ من ناحية أخرى، وبناء على الدراسات السابقة، هل يمكن للشخص الذي أصيب بالالتهاب أن ينقل العدوى بعد فترة زمنية حتى ولو بعد سنة؟ هل هناك من بين الأشخاص من يمكن أن يعانوا من مضاعفات وأعراض قد تستمر لفترة زمنية طويلة؟ أم أن هذه الأعراض تختفي لفترة أو تخبو لتعود بعدها للظهور ويمكن أن تسبب العدوى من جديد له ولغيره؟ لم تثبت الأبحاث حتى الآن احتمال إعادة العدوى لأشخاص أصيبوا في السابق. فالتجربة الكورية الجنوبية والتي أشارت إلى أن كثيراً من الأشخاص الذين أصيبوا بفيروس الكورونا تم فحصهم من جديد، حيث أظهرت النتائج الأولية إيجابية الإصابة ليكتشفوا فيما بعد - وحسب توصيات منظمة الصحة العالمية بإعادة الفحص لهؤلاء الأشخاص - أن النتائج كانت غير صادقة، والسبب أنه تم جمع الفحص من جسيمات صغيرة ميتة موجودة داخل خلايا الرئتين وليست ناتجة عن خلايا نشطة للفيروس، حيث أن الفحص يعتمد على المحتوى الجيني للفيروس، وبالتالي لا يحدد ما إذا كان نشطاً أو أنه معدٍ أم لا. والاحتمال الآخر هو أن تكون امتداداً للإصابة السابقة. لقد وجد الباحثون أن الكثير من الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس ربما سوف يعانون من عدة مخاطر ومضاعفات حتى على المدى البعيد بعد الإصابة الأولية به، حيث تكمن خطورته على الإنسان في أنه يهاجم ويصيب عدة أجهزة من الجسم، ويعمل على إحداث عطب أو خلل في وظيفتها، والسبب في ذلك يعود إلى أنه يجمع ما بين الفيروس التاجي والذي كان قد اكتشف في العام 2003 من حيث كونه يسبب نسبة عالية من الوفيات والذي لا ينتشر بسرعة، وما بين فيروس كورونا البشري والذي يمتاز بأنه مؤذٍ جداً وسريع الانتشار والعدوى. لذا نجد أن فيروس كورونا المستجد سارس كوف- 2 يجمع بين جميع الخصائص ما يجعله بهذه الخطورة العالية من حيث عدد الوفيات التي يسببها وشدة العدوى التي يحدثها بين الناس وسرعة انتشارها في العالم. وقد وجد العلماء أن بنية بروتين اس (S) الموجودة على الأشواك المحيطة على السطح الخارجي للفيروس هي المسؤولة عن الاختراق السريع للفيروس والدمار الذي يحدثه في أجهزة الجسم بنفس الوقت وعلى المدى البعيد. لقد أشار البروفسور الدكتور ديفيد هيمان، أستاذ علم الأوبئة والأمراض المعدية في كلية لندن إلى ما يلي: "يبدأ بعض الأشخاص في الشعور بالتحسن بعد الإصابة الأولية بحيث تهدأ العلامات والأعراض، بما في ذلك انخفاض حرارة الجسم، إلا أن بعضهم يظهرون أعراضاً أخرى تظهر من جديد مثل صعوبة وضيق بالتنفس؛ قد تكون شديدة لدرجة يحتاج معها إلى إعطائه الأكسجين في المستشفى". وأضاف أنه "يبدو أن الاستجابة المتأخرة لدى بعض الأشخاص تتفاعل مع الفيروس بصورة أشد وأكثر حدة في أعضاء مختلفة من الجسم، وأهمها التأثير بالدرجة الأولى على الجهاز التنفسي حيث تظهر بأعراض مزمنة تطول لسنوات بسبب الالتهاب الذي يحدث خللاً في وظيفة الرئتين. ومن الأجهزة الأخرى تأثيرها على عضلة القلب بأعراض شبيهة بضعف وتضخم العضلة مثل ضيق التنفس والتعب عند بذل أي جهد مهما كان بسيطاً، وكذلك اضطراب في ضربات القلب، يليه خلل في الكلى وخاصة فشل وظيفتها، وفي الجهاز الهضمي، وفي جهاز مناعة الجسم بشكل عام. هناك الكثير من المصابين الذين أشاروا إلى أنهم تعرضوا لأعراض في البداية كانت بسيطة واستمرت لفترة زمنية وأخذت صورة معقدة غير واضحة تشبه إلى حد ما الأمراض المزمنة الناتجة في البداية عن العدوى الأولية والالتهاب من الفيروس، هذه الأعراض تظهر وتختفي على شكل أعراض عامة كالشعور بالتعب المزمن على سبيل المثال أو أنها تظهر بأعراض مختلفة نوعا ما عن السابق بسبب أمراض جديدة ناتجة عن المضاعفات والتي تظهر بصورة إعادة العدوى من جديد، أو أن الأمراض القديمة للشخص المصاب قد تفاقمت بفعل اختلال في مناعة الجسم، كل ذلك يعتمد على مقدار شدة الالتهاب الذي يسببه الفيروس على المدى البعيد والمخاطر والمضاعفات التي قد تحدث فيما بعد. لم يتضح بعد سبب هذه الأعراض المستمرة بشكل قاطع وصريح، ولا تزال الأبحاث جارية لمعرفة المزيد عن هذه الظواهر والملاحظات والتي قد تحتاج لسنوات من الدراسة والبحث. ويبقى السؤال هل انتهى عصر فيروس الكورونا المستجد أم أنه بداية تعايش في نمط وأسلوب حياة مع واقع لعصر جديد مليء بالأعراض والملاحظات التي تحث العلماء وتجعل دول العالم في حالة سباق للتعرف على أسرارها والبحث في خباياها، وهل يمكن أن يستجد تخصص طبي شبيه بالتخصصات الطبية الأخرى يُعنى بأعراضه وملاحظاته وأبحاثه وصولاً لأدوية وتطعيمات جديدة؟