ورقة عمل بحثية حول أسباب عدم تمكن فيروس كورونا من شن هجمات شرسة في معظم الدول العربية (حتى الآن)، مع وضع خارطة طريق مبنية على استنباط الدروس والعبر مما حصل ويحصل.

في البداية، أود أن أنوه بأن الأراضي الفلسطينية والعديد من المناطق العربية لم تتعرض حتى الآن لجائحة فيروس الكورونا الشرسة التي يشهدها العديد من دول العالم. وأول ما يلفت نظر الجميع؛ هو ما يحصل في قطاع غزة على وجه التحديد وبدرجة مشابهة تقريباً في مدن وقرى الضفة الغربية المحتلة. لقد استعنت في بحثي هذا ببعض الدراسات الإحصائية التي نشرتها منظمة الصحة العالمية وبعض المراكز العلمية الأخرى على الويب. كما اعتمدت على الكثير مما قام به العلماء المختصون من أبحاث ودراسات قصيرة العمر حول هذا الموضوع. بالإضافة إلى ما ينشره مركز جون هوبكنز يومياً عن الجائحة مستخدماً نظام ال GIS المتطور وال worldometer الذي ينقل المعلومات إلى المركز يومياً وبشكل حي وفقاً لوقت حدوثها؛ متخذاً هذا الموقع من قسم الإحصائيات التابع للأمم المتحدة مصدراً والذي لا انتماءات سياسية له ولا تتضمن تقاريره أي نوايا سياسية. كما استعنت ببعض المواقع الإحصائية وعلى رأسها IndexMundi، آملاً ممن يهمه الأمر أخذ هذه الدراسة المتواضعة بعين الاعتبار، خصوصاً العوامل الإيجابية والموجودة من تلقاء نفسها، والاستفادة منها، ودراسة العوامل الأخرى والتكيف معها لدعم هذه العوامل الموجودة. لا زالت حقيقة تطور هذه الجائحة مبنية في أغلب الأحوال على التخمينات، ولم يتمكن الباحثون حتى الآن من نشر دراسات علمية موثقة بسبب حداثة الجائحة وشراسة هجمتها المباغتة. إن احتمالات تغير الوضع في أي اتجاه لا تزال قائمة وبقوة. ولكن يجب اتباع خطة دفاعية صارمة وكأن الجائحة في طريقها للازدياد شراسة في المنطقة العربية. اعتذر لعدم ذكر ما يجري في بقية الأقطار العربية بشكل منفرد، ولكن الخطوط العريضة لاقتراحاتي هذه واحدة وتنطبق على كل قطر. فيما يلي آخر المعلومات عن مدى انتشار المرض في الدول التي تتعرض لهجمة شرسة حتى تاريخ 26.05.2020 الساعة التاسعة صباحاً بتوقيت جرينتش
الدولة عدد الإصابات لكل مليون عدد الفحوصات لكل مليون
الصين 58 ?
ايطاليا 3,806 57,586
فرنسا 2,803 21,217
المانيا 2,158 42,922
اسبانيا 6,042 76,071
بريطانيا 3,849 3,849
روسيا 2,483 62,775
الولايات المتحدة 5,158 45,910
تركيا 1,873 22,004
إيران 1,642 9,763
بالنظر إلى هذه الأرقام تكتشفون وبسهولة، هذيان وهلوسة ترامب بادعائه مفتخراً بأنه وتحت قيادته سجلت أمريكا أعلى عدد للفحوصات. وهذه آخر المعلومات عن مدى انتشار المرض في الدول العربية مع دولة الاحتلال حتى تاريخ 26.05.2020 الساعة التاسعة صباحاً بتوقيت جرينتش
الدولة أو المنطقة عدد الإصابات لكل مليون عدد الفحوصات لكل مليون
قطاع غزة * 32 ؟
الضفة الغربية* 83 8,819
جمهورية مصر العربية 176 1,322
الجمهورية العربية السورية* 6 ؟
الجمهورية اللبنانية 164 10,983
جمهورية العراق 115 4846
جمهورية الجزائر 194 ?
الجمهورية التونسية 89 4,106
المملكة المغربية 204 4,129
المملكة الأردنية 70 16,198
الدولة الليبية 11 751
المملكة العربية السعودية 2,152 20,775
اليمن 8 4
الكويت 5152 64,214
قطر 15,809 66,928
الإمارات 3,068 206,969
البحرين 5,411 167,502
عمان 1,526 14,139
السودان 91 9
دولة الاحتلال 1,820 59,377
*تقرير الأمم المتحدة جاء تحت اسم فلسطين. أرقام غزة جاءت كاجتهاد باعتبار أن عدد سكان القطاع 1.8 مليون. تم تسجيل 58 إصابة في مراكز الكرنتين للقادمين للقطاع حتى تاريخ 21.05.2020

العوامل الديموغرافية (السكانية) وانتشار الأمراض المعدية؛ متخذاً من عدوى فيروس كورونا كمثال:

هناك عوامل ديموغرافية تمت دراستها وتوثيقها منذ زمن؛ تتحكم في مدى انتشار العدوى، وجائحة كورونا ليست مستثناة من ذلك. سأتناول كلاً من هذه العوامل، مع نظرة تطبيقية لكل عامل، وملاحظة مدى تأثير هذا العامل على انتشار العدوى، مذكراً بأن هذا ينطبق على أي مكان في العالم؛ ولكنني ركزت في بحثي هذا على ما يحدث في بعض الأقطار العربية.

أولاً: التطور الكاسح لوسائل الحركة والسفر

هذا أحد أهم عوامل انتشار فيروس كورونا وغيره. فحركة الأفراد وسهولة التنقل والسفر، مستخدمين وسائل المواصلات الحديثة؛ ساعدت بل ولعبت دوراً رئيساً في سرعة انتشار عدوى الفيروس. سأتخذ هنا من جائحة الانفلونزا الإسبانية التي حصلت عام 1918 كمثال للتذكير: فقد أصابت تلك الجائحة ثلث سكان الكرة الأرضية، وتسببت في وفاة أعداد غير متفق عليها وتراوحت ببن 17-100 مليون ضحية. وعلى الرغم من أن وسائل السفر لم تكن قد بلغت حد التطور، فلم يتم آنذاك إنشاء خطوط السفر بالطائرات وغيرها. كمان أن تكاليف السفر كانت باهظة، وكان الوقت اللازم للسفر طويلاً. وعلى الرغم من ذلك، فقد انتشر وباء الانفلونزا الإسبانية لعدة شهور في العديد من البلاد. واعتبرت حركة عودة الجنود المتحاربين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 إلى بلادهم، كأحد الأسباب الرئيسية لانتشار العدوى. أما بشأن السفر عن طريق الجو، فقد بلغ عدد المسافرين بالجو عام 1995 (1.3) بليون، وبلغ عدد المسافرين بهذه الطريقة عام 2018 (4.3) بليون مسافر. وإن معظم البلاد التي أصيبت بالجائحة كانت نتيجة عودة مسافرين من الصين ومن إيطاليا إليها. ومعظم الإصابات التي اجتاحت الدول الأوروبية كانت عن طريق مصابين قدموا من ايطاليا. كما أن نيويورك، مركز وباء كورونا الأمريكي، تكتظ بالمسافرين من جميع أنحاء المعمورة. وفي أمريكا كان السبب في انتشار الفيروس؛ عودة مسافر من الصين إلى واشنطن ومن ثم انتشر الفيروس بسرعة إلى داخل أحد بيوت المسنين القريبة. كما لوحظ أن مدينة بيت لحم الفلسطينية كانت أول وأكثر المدن الفلسطينية عرضة للعدوى.

ثانيآ: تمركز التجمعات السكانية في المدن

كانت نسبة سكان المدن بنظرة عامة وليست تفصيلية في عام 1920، 20%، أما في عام 2020، فلقد بلغت هذه النسبة 56%. ويوجد الآن في العالم 27 مدينة يبلغ تعداد سكانها أكثر من 33 مليون نسمة؛ منها 6 مدن في الصين و5 في الهند؛ هذا الازدحام أدى إلى وجود أحياء فقيرة، وبالتالي تدني المستوى الصحي فيها، مما سهل انتشار العدوى. كما أن زيادة تلوث الهواء في تلك المدن ساهم في إضعاف وظائف الرئة، وزيادة احتمال احتكاك الإنسان مع الحيوان وتسهيل نقل العامل المسبب منه إلى الإنسان. ويعتقد العلماء بأن هذه هي الحال في جائحة كورونا.
عامل الازدحام والسفر والتنقل لبعض الدول التي تعرضت لهجمة شرسة لفيروس كورونا متخذاً من عدد السياح والزوار لهذه البلاد مثالاً:
الدولة النسبة المئوية لعدد سكان المدن عدد السياح السنوي بالمليون
الصين 58.52 62.9
ايطاليا 70.7 62.1
اسبانيا 80.6 82.8
فرنسا 80.7 89.4
بريطانيا 83.4 36.3
المانيا 77.31 38.9
الولايات المتحدة 82.26 79.6
تركيا 75.14 45.8
ايران 74.9 7.3
عامل الازدحام والسفر والتنقل للدول العربية مع دولة الاحتلال متخذاً من عدد السياح والزوار لهذه البلاد مثالاً:
الدولة أو المنطقة النسبة المئوية لسكان المدن عدد السياح والزوار بالمليون
قطاع غزة * 76.4 0.0
الضفة الغربية 76.4 0.816457
جمهورية مصر العربية 42.7 11.5
الجمهورية العربية السورية** 54.16 6
الجمهورية اللبنانية 88.59 4.6
المملكة الأردنية الهاشمية 90.98 4.2
جمهورية العراق 70.47 0.892000
جمهورية الجزائر 72.63 2.5
الجمهورية التونسية 68.95 8.3
المملكة المغربية 63 12.3
الدولة الليبية 80.4 1.5
المملكة العربية السعودية*** 83.84 15.3
اليمن 36.64 0.366700
الكويت 100 1.5
قطر 99.14 2.3
الإمارات 86.52 15.9
البحرين 99.05 4.4
عمان 84.54 2.4
السودان 34.64 0.836000
دولة الاحتلال 92.42 4.1
*نظراً للحصار الجائر واللاإنساني المفروض على قطاع غزة، اقتصرت حركة المسافرين على العائدين للقطاع عبر معبري رفح وبيت حانون.
**عدد السياح المذكور هو قديم، نظراً للعدوان المستمر على الجمهورية العربية السورية.
***الغالبية هم من زوار الأماكن المقدسة بما فيها أعداد الحجاج والمعتمرين. عند بحث عدد السباح في البلاد العربية، هي فقط لإعطاء فكرة؛ إذ أن هذه الحركة تأثرت بموجة عدم الاستقرار والعنف التي تعرضت ولا زالت تتعرض لها المنطقة في السنوات الأخيرة.

ثالثاً: شيخوخة المجتمع

من المؤكد أن كبار السن هم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى. وتتجلى شيخوخة المجتمعات في الدول ذات الرعاية الصحية الفائقة. والتي لا تؤمن بالتكاثر الاجتماعي إذ يبلغ تعداد الأطفال في هذه المجتمعات في الأسرة الواحدة؛ من صفر إلى اثنين. لذا نرى أن تعداد المسنين لما فوق ال 60 في عام 1950 كان 202 مليون ليصبح في عام 2020 أكثر من بليون نسمة. وتستمر نسبة الإنجاب في هذه البلاد بالهبوط. ومع هذه الزيادة ازدادت الأمراض المصاحبة مثل أمراض القلب والشرايين وأمراض الجهاز التنفسي والسرطانات والسكر. وقد رصدت نتائج البحث الصينية أن نسبة وفيات كورونا للمرضى فوق سن الثمانين بلغت 6 أضعاف مثيلتها في بقية افراد المجتمع. ويعتبر المجتمع الإيطالي الأكبر سناً؛ حيث تبلغ نسبة المسنين فوق سن ال (85) 16%. وعالمياً، ارتفع عددهم من خمسة ملايين عام 1950 إلى 64 مليون عام 2020.
أعمار المجتمعات التي تعرضت لهجمة شرسة من فيروس كورونا
البلد 0.0 - 14 % 15 – 24 % 25 – 54 % 55 – 64 % <65 %
الصين 17.22 12.32 47.84 11.35 11.27
ايطاليا 13.6 9.61 41.82 13.29 21.69
فرنسا 18.48 11.8 37.48 12.42 19.82
بريطانيا 17.59 11.71 40.29 12.22 18.19
المانيا 12.83 9.98 39.87 14.96 22.36
امريكا 18.62 13.12 39.29 12.94 16.3
روسيا 17.21 9.41 44.12 14.51 14.66
إيران 24.23 10.05 48.86 7.39 5.48
تركيا 24.26 15.88 43.26 8.82 7.79
أعمار المجتمعات العربية مع عمر مجتمع دولة الاحتلال
الفئة العمرية الدولة أو المنطقة 0.0 - 14 % 15 - 24 % 25 – 54 % 55 - 64 % <65 %
قطاع غزة 44.1 21.34 28.5 3.48 2.58
الضفة الغربية 36.09 12.17 34.48 4.74 3.52
مصر 33.8 18.65 37.71 5.99 4.28
سوريا 31.39 19.52 39.26 5.52 4.31
لبنان 23.32 16.04 45.27 8.34 7.03
الأردن 34.14 19.98 37.72 4.64 3.51
العراق 39.1 19.42 33.97 4.05 3.55
الجزائر 29.49 14.72 42.97 7.01 5.81
المغرب 27.1 18 42 7 6
تونس 25.25 13.53 42.25 9.75 8.22
ليبيا 25.53 16.81 47.41 5.77 4.42
اليمن 39.16 21.26 32.78 4 2.8
السعودية 25.47 15.58 49.8 5.48 3.32
الكويت 25.32 15.21 52.23 4.82 2.33
قطر 12.7 12.12 70.67 3.44 1.06
البحرين 18.88 15.49 50.06 6.49 3.08
عمان 30.1 18.26 44.15 3.94 3.55
الامارات* 14.39 7.64 70.45 6.05 1.47
السودان 40.07 20.22 29.8 3.93 2.98
دولة الاحتلال 27.26 15.58 37.19 8.42 11.55
*التجمعات السكانية في هذه المنطقة حديثة الولادة، غير متجانسة، إذ يبلغ عدد السكان الأصليين حوالي 10% فقط من مجموع المقيمين؛ فمثلاً الرقم المتعلق بمن هم فوق سن ال 65 يعود لكون من يبلغ سن التقاعد هذا يعود إلى مسقط رأسه.
تنطبق هذه القاعدة وبشكل أقل على بقية دول الخليج باستثناء المملكة العربية السعودية، إذ أن معظم القادمين هم من زوار الأماكن المقدسة بمن فيهم القادمون لأداء فريضة الحج ولأداء العمرة. هناك ملاحظات أخرى فيما يتعلق بجائحة كورونا؛ لا زالت قيد البحث؛ من بينها الحمل وملاحظة أن إصابة الحوامل لا تتصف في معظم الأحيان بالشدة، ولم يثبت حتى الآن تمكن الفيروس من عبور المشيمة إلى الجنين. العامل العرقي والجيني: هذا الأمر يستحق الدراسة الجارية للعلماء؛ فلقد لوحظ أن نسبة المصابين من السود والاسيويين والأقليات الأخرى في بريطانيا أعلى بكثير بالمقارنة مع البيض. فمثلاً في المناطق التي تبلغ نسبة سكانها من هذه الفئة 14%؛ فإن 34% من المصابين من تلك المناطق هم من هذه الفئة، وأن نسبة المتوفين من الأطقم الطبية بلغت 73% من هذه الفئة.
الدراسة التطبيقية لما تَقَدَّم
عامل السفر والازدحام
متخذاً من قطاع غزة والضفة الغربية مثالاً؛ فإن عامل السفر وتنقل الأفراد هو أكبر برهان على دور هذا العامل في انتشار الفيروس؛ فقد تُرجمت أهميته بوضوح في قطاع غزة. فالحصار المؤلم لذوي الضمير؛ برهن على أهمية هذا العامل، كما أثبتت تجربة القطاع أنه لا يقل أهمية عن عامل التباعد الاجتماعي في حال محاصرة مصادر الفيروس، إذا تم تطبيق نظام الكرنتين على كل قادم بدون استثناء، وعند ضمان شروط عدم تسرب الفيروس خصوصاً، في الوقت الذي لا يوجد فيه دليل حتى الآن على إمكانية انتقال الفيروس محمولا بالهواء إلى مسافات طويلة. وكما نعلم، فإن حدود القطاع محاطة بأراضي جمهورية مصر العربية وعلى تماس مع دولة الاحتلال؛ وكلاهما شهدتا وتشهدان انتشاراً واسعاً نسبياً للفيروس. ولقد تم تطبيق إجراءات صارمة من قبل المسئولين لا تنازل عنها في منع دخول أي شخص إلى القطاع، وتم إنشاء ستار حديدي إن صحت التسمية بين القادمين وبقية سكان القطاع. ورغم أن عدداً لا بأس به من المواطنين لم يلتزموا بإجراءات التباعد الاجتماعي، فلم يتم حتى الآن تسجيل إصابات منشأها داخل القطاع. وقد لوحظ نفس الشيء في مناطق الضفة الغربية. فأول ما بدأت العدوى كانت في مدينة بيت لحم المفتوحة للزوار والحجاج والسياح، حيث بادرت السلطات الفلسطينية على الفور إلى إغلاق المدينة. ألا أن الوضع هنا يختلف عن غزة، إذ أنه من الصعب أن تفرض السلطة إغلاقاً محكماً بسبب طبيعة تواجد الاحتلال وتداخل مستوطناته مع المدن والقرى الفلسطينية. أضف إلى ذلك الاحتكاك مع عناصر الاحتلال مما نجم عنه تسرب بعض الحالات إلى الضفة. ولكن تواجد عوامل أخرى سأناقشها لاحقاً حدَّ من انتشار هذا الفيروس. وبالمقابل، فإننا نرى انتشاراً واسعاً للإصابات في الإمارات حيث تشير أرقام الزوار إلى 15.9 مليون، وهذا ينطبق على البلاد الأخرى وخاصة أرقام الزوار في دول الجائحة مثل فرنسا واسبانيا وايطاليا على سبيل المثال. وبالطبع، فإن هذا العامل متوقف الآن ولكن كان له الأثر في وضع الفيروس على عتبات الدول المعنية. ما يقلق في هذا العامل هو احتمال دخول الأمراض الفيروسية وغيرها المرافقة عند هؤلاء الزوار والتي ربما تكون المنشأ لهذه الجائحة. أمر لم يتطرق له حتى الآن أي باحث أو بالأحرى لم يتجرأ أي أكاديمي الإشارة له خوفاً من المساءلة بتهمة الإساءة لما يسمى بالحقوق الإنسانية والحرية الشخصية للفرد، فمثلاً هناك في رأيي احتمالية بأن ما حصل كان بسبب تحول جيني لأحد الفيروسات المصاب بها الإنسان والتي انتشرت كما نشهد. وهذا يذكِّر بما قاله البروفسور مونتنيه الحائز على جائزة نوبل لاكتشافه الفيروس المسبب لمرض الإيدز، إذ قال بأن ما حصل قد نجم عن محاولة العلماء إيجاد لقاح لمرض الإيدز عبر إدخال بعض مكوناته الفيروسية إلى فيروس كورونا فتسرب الفيروس وحصلت الكارثة. الشيء الغريب والملاحظ هو تجاهل وسائل الإعلام حتى التعليق على هذا الخبر. والسؤال هل هذا هو فعلاً ما حصل أم أن البروفسور مونتنيه لديه حقائق كثيرة حول هذا الموضوع ولكنه لا يستطيع ذكر التفاصيل؟ هذا العامل يتطلب تطبيق أو الاستمرار في تطبيق نظام الكرنتين على جميع القادمين من جميع المداخل للبلد الواحد بدون استثناء، في حال استئناف الزيارات وحركة السياحة قبل إيجاد العلاج واللقاح، مذكراً بأن الفحوص ليست كما نتوقع منها، فلها محاذير تطرقت لها في نشرة سابقة ليوميات فيروس. كما وأن اللقاح لا زال بعيد المنال، هذا إن تم إيجاد لقاح فعال لهذا الفيروس. طبعاً، لا أتصور أن سائحاً سيأتي لزيارة آثار عريقة في مصر مثلاً ولديه الوقت الذي يمضيه في الكرنتين. ولكن هذا هو الواقع ويجب على المسئولين التعامل معه. وبالعودة لأرقام السياح في الدول المصابة، فإننا ندرك هول الكارثة الاقتصادية، فهي تحرم خزينة الدول من مئات بلايين الدولارات سنوياً، فالسياحة ركيزة أساسية لسلامة اقتصاد هذه الدول. أما بالنسبة للازدحام، فيمكن تخفيف آثاره باتباع الإرشادات وخاصة التباعد الاجتماعي بشرط التزام المواطنين التام بالإرشادات المعطاة. عامل سن المجتمع يعتبر هذا العامل خارج نطاق صلاحيات المسئولين أو المواطنين. فلقد أنعم الله على المجتمعات العربية بتوفر هذا العامل المهم لصالح معظم الدول العربية؛ إذ تتربع غزة على عرش البشرية قاطبة بأرقام خيالية ذكرتها في الجدول أعلاه، فيما تحوز الضفة على لقب الوصيفة الأولى. واضعين بعين الاعتبار أن عدوى فيروس كورونا تفضل كبار السن. وأترك للإخوة العرب دراسة هذه النسب والاستفادة منها وتطبيقها على المنطقة التي يشاؤون دراستها. مثلاً السماح لصغار السن بالعمل في مجالات ضرورية لاستمرار الحياة الطبيعية للمجتمع.
خارطة طريق للتصدي لهذا الفيروس
واجبات المواطن
●واجب المواطن أن يتفهم خطورة الموقف وواجباته ومسئولياته إزاء فرض هذه الإجراءات والتي يقصد منها ليست حمايته الشخصية فحسب، بل الأهم هو حماية المجتمع ككل، وأن التسبب في نشر الفيروس يعد مسئولية كبيرة تعرض مرتكبها للمحاسبة. هذه الإجراءات مثل غسل اليدين والتباعد الاجتماعي والعطس والسعال في مناديل ورقية والتخلص منها فوراً وارتداء الكمامات أو غطاء الوجه لمرة واحدة واستبدالها قدر الإمكان وتجنب التجمعات وغيرها.
●عدم الاستماع إلى ثرثرات العديد ممن يظهرون على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض أجهزة الإعلام والذين ينشرون معلومات غير سليمة تسبب القلق والالتباس. إن ما نقرأه عن تناول طعام معين بجب أن يقع ضمن تشجيع المواطن لتناول أغذية معينة خاصة كما نسمع في بلاد ذات تاريخ حضاري متجذر مثل مصر وبلاد الشام، وهو مفيد في تشجيع المواطن على الاستمرار في تناول طعامه المعتاد بهدف الحفاظ على جهازه المناعي. ويجب عدم أخذ هذه النصائح خارج هذا الإطار أو كبديل لتطبيق الإجراءات العلمية للتصدي للفيروس.
واجبات السلطات
●تجهيز المستشفيات قدر المستطاع بالأقسام الطبية اللازمة بما فيها من أسرَّة؛ وعلى وجه الخصوص وحدات العناية المركزة المجهزة بأجهزة التنفس الصناعي وما تحتاج من أوكسجين وغيره، واضعين بعين الاعتبار أن كل مريض يدخل هذه الوحدات يحتاج إلى سرير وجهاز تنفس صناعي لوحده.
●الطلب مقدماً من منظمة الصحة العالمية ومن الدول الصديقة والمنظمات الأخرى مد يد المساعدة، وإرسال ما يتعلق بالتصدي لهذا الفيروس مقدماً.
●توفير الأطقم الطبية الكافية على مدار الساعة، والأهم توفير أطقم الوقاية لهم بما يمكنهم من التفاني في العمل مستندين إلى أرضية مطمئنة قوامها الحماية من هذا الفيروس.
●ألا تتنازل السلطات تحت أي مبرر عن التطبيق المحكم لقوانين العزل والتباعد الاجتماعي، وعدم عزو تلك الإرشادات لهذا المسئول أو ذاك بل للجهات الصحية المسئولة حتى لا تفقد ثقة المواطن ودفعه لعدم الاستماع للإرشادات. وعلى المتابع لما يحدث في الدول الغربية وأمريكا أن يدرك مدى الضائقة التي وقعت فيها حكومات هذه الدول في التعامل مع مواطنيها ومنظمات مجتمعها المدني بما فيها الصحية. وأقرب مثال على ذلك ما تعرض له رئيس وزراء بريطانيا بالأمس علناً من قبل العلماء الذين هم أعضاء في فريق التصدي للفيروس؛ بأنه لا يستمع إلى نصائحهم وأنه سيتسبب في موت الكثيرين. وكذلك ما يتعرض له ترامب وباستمرار.
●الاستمرار في تطبيق إجراءات الحد من الحركة، إلى أن تتم السيطرة على انتشار الفيروس بشكل كامل. أنا لا أستطيع أن أتفهم التفسير العلمي لطريقة فرض عدم التجوال لعدة أيام ثم العودة إلى ما كانت عليه الأمور دون العودة إلى مستوى انتشار الفيروس، والشيء الأغرب تطبيق هذا الحظر فقط في ساعات الليل والناس نيام. الاستمرارية مؤلمة ولكنها ضرورية للسيطرة على انتشار الفيروس كما حصل في الدول الأخرى.
●فرض العزل الفوري على أي منطقة تظهر فيها الإصابة ومحاصرتها دون أي تنازل كما فعل المحافظون في بعض المدن الفلسطينية، واجراء فحوصات قدر الإمكان.
● تحديد فئة غير المحصنين وهم الأكثر عرضة للإصابة بالعدوى الشديدة، وأكثرهم من المسنين ومن لديهم أمراض مرافقة مثل أمراض الجهاز التنفسي، امراض القلب والشرايين، أمراض وأسباب نقص المناعة، مرضى السكر والضغط الغير مسيطر عليهم، أمراض الجهاز العصبي وتمكينهم من الوصول إلى الأدوية والطعام والعناية الطبية اللازمة.
●الدعم الغذائي والمادي لبعض الاسر المحتاجة وللأسر التي توقف العاملون فيها عن العمل.
●عدم التقليد والسير على خطى الدول الأوروبية وأمريكا التي بات جلياً بأن همها الأول هو حماية الاقتصاد (يكفي النظر إلى عدد السياح الوافدين لتلك الدول) ، بل إن بعض السياسيين صرحوا بذلك علناً واختلفوا علنا في توقيت التخفيف من إجراءات الإغلاق كما حصل بين سكوتلندا وانجلترا وبقية دول المملكة المتحدة، كما وأن كل بلد له ظروفه وعوامله الديموغرافية الخاصة به. إن ما نسمع عنه عن تعافي هذه الدول التدريجي من هذه الهجمة؛ فإن ما لا شك فيه لدينا أن هناك دوافع اقتصادية. فعملية التلاعب بالأرقام واضحة جداً، ولكن هذه الدول بدأت في التخفيف من اجراءات الإغلاق في نفس الوقت الذي تستمر فيه الجائحة بالفتك بالمواطنين. واعتراف المسئولين فيها بأن عامل ال R لا زال مرتفعاً مع غياب اللقاح والعلاج.
هناك أمل وحيد لهؤلاء الساسة للخروج من هذه الورطة والمحاسبة؛ هو أن شراسة الفيروس قد بدأت تتراجع حدتها ضمن التطور الطبيعي له، والتي لا زلنا نجهلها حتى الآن. ولكن خطر التعرض لهجمة ثانية لا زال قائماً.